» » » » ميثولوجيا : زاوية آسا في المخيال الشعبي أسطرة المقدس: المظاهر والتجليات

توطئة:
     ليس بدعا من القول أن المخيال الشعبي قد أضفى على منطقة آسا صبغة قدسية طاولت عنان سماء "مكة"، ولا تزاحمها في محاريب القدسية المتخلية إلا أخواتها من المدن التي ارتبط ذكرها بالأولياء والأنبياء كما سنوضح قريبا بإذن الله.
     ولان "كل مكان مقدس ينطوي على تجل مقدس" على حد تعبير مرسيا الياذ ، فان تجليات القداسة بأسا لا تنحصر في مظهر واحد، ولا تتحدد بموقع أو مكان واحد، بل تتعدد إلى الحد الذي يخيل إليك أنه ليس الماءُ ، ولا الحجرُ، ولا الترابُ ولا الجبلُ هو محل القداسة المتخيلة ، بل هو المكانُ برمته ، ولذلك لخص " فريد يريك دولاشابيل " قصة القداسة هاته بكلمة واحدة : "أسا مدينة مقدسة" "Assa est une ville sainte "، ينعقد بها ديوان الأولياء أو الصالحين أو "رجال أسا " ولا ينعقد بغيرها من بقاع الأرض ما عدا مكة المكرمة ، كما يزعم صاحب الإبريز عبد العزيز الدباغ.
      "وإذا كانت مكة المكرمة هي الأرض التي تضم بين جناحيها كعبة الله ، والكعبة - كما يقول الكسائي – هي مركز العالم ، وكل مركز هو منطقة المقدس بامتياز، منطقة الحقيقة المطلقة"  حسب مرسيا إلياذ ، فان تدبر  متن الإبريز الذي سنعمد إلى قراءة  فصوص منه قراءة تحليلية مستفيضة ، يوحي بان هذا المركز قد أضحى مزاحَما بمراكز خَلع عليها القداسة المخيالُ الشعبي المشبع بروح صوفية يجسدها الإبريز .
      لِنربَعْ على أنفسنا ، فقد ازدحمت في هذه التوطئة ا ليسيرة إشارات إلى حكايات تناقلتها الأجيال ، كثفت صورة القداسة بأسا لدرجة فائقة ، اختفى وخبَا في ظلها وميض الحقيقة تحت اسداف الأساطير المؤثثة للمعتقد الشعبي .
من اليسير جدا أن نجعل في آذاننا وقرا ، أو نستغشي ثيابنا فرارا من سماع " أساطير الأولين " أو تجديف كل الحكّائين والرواة الذين نقلوا إلينا أخباراً يبقين ساذج ، ولكن من الصعب أن نفهم الحكاية ومقاصدها التي سيقت لأجلها مالم ننصت إليها بصمت عميق وقلب رقيق ، يعي لماذا يكون خرق السفينة رتقا حقيقا ، ولماذا ، ولماذا....؟
أسئلة كثيرة تتوارد وتتواتر على خاطر كل متهم باصر مستبصر بحجم مفردات المعتقد الشعبي بأسا الذي غذته روافد شتى من ديانات تعاقبت وتجاورت بالمنطقة حينا من الدهر ، كما يقول مقمشوا الأخبار. ولكي نستجمع نُثار تلك المفردات ، وننظمها في عِقد منتظم تتضام لُبَنه ، وجب أن ننتهج الخطة الآتية :
الفصل الأول : المدن المقدسة : من أسا إلى ماسة.
       المحور الأول : خط القداسة - من أسا إلى ماسة .
       المحور الثاني : ديوان الأولياء : حقيقة أم خرافة ؟
الفصل الثاني : تجليات القداسة بأسا
        المحور الأول : اورير لنبياء أو جبل الأنبياء : خيالات العامة .
      المحور الثاني : الكر كور أو الأحجار أو النّصُب : عودة إلى العهد القديم .
      المحور الثالث: يوم النحر -  طقوسه و ينابيعها

 الفصل الأول : المدن المقدسة : من أسا إلى ماسة
       نحاول في هذا المحور أن نقترب أو ندلف من حقل طافح بالرموز ، مشبع بروح غرائبية لا تستقيم – بالضرورة – مع منطق العقل الصارم ، ولا تستند إلى مكين النقل الحاسم الذي لا جمجمة فيه .
       ذلك الحقل المراد ليس سوى سبيكة " عقدية " نسج عُقَدها المترابطة المخيالُ الشعبي ، وختمها بخاتم القبول الخطاب الصوفي الجانح إلى غموض الرمز وقداسة السر المنبثق من الإيمان بالإمكان ، فهل يستسيغ أو يقبل العقل السليم الذي له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام وأحداث السيرة النبوية ، أن يُماشي أو يوافق من يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد زار أسا ، وترك أثره المبارك بإحدى عرصاتها أو أمكنتها؟ . ولكن إذا سفّه العقل المسلح بحجج التاريخ الموثُوقة والموثّقة هذا القول ، ووصفه بالخيال الحالم ، فكيف يتلقى أخبار بعض الصوفية عن اجتماع الأولياء بأسا ومكة المكرمة كما سنفصل قريبا ؟ .
       إن إشاعة هذا القول  وإذاعته منقولا موصولا إلى شيخ " الطريقة الخضرية " ، يحمل بين ثناياه قبسا مبيّنا ومفسّرا لعلة تمسك العامة وعضّهم بالنواجذ على " قدسية أسا " باعتبارها محجا للأولياء ، وباعتبارها بقعة طاهرة وطئتها أقدام الرسول عليه السلام ، وانتدبتها العناية الربانية ، لتكون مكانا مباركا يحج إليه المساكين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يجدون وسيلة ولا سبيلا لأداء مناسك الحج بمكة المكرمة ،   وقد حدثني بعضهم عن ذلك قائلا : زيارة أسا حجٌّ للمسكين؟؟؟ .
       إن الاستقالة إلى ظل العافية ، والاكتفاء بإصدار حكم الضلالة على هذا القول وأمثاله ، لا يشفي غليل الباحث المتشوف إلى ربط الظواهر بمسبباتها ، والتقاط الدلالات الثاوية بين أحشائها ، ولذلك – سأحاول فيما يلي – أن استذر الذاكرة الشعبية الغنية برصيدها المتراكم عبر الأجيال آملا أن أتكشّف بعضا من أسرار القداسة المتخيلة ، وأن أوفق في تتبع ورصد خطوط العرض التي تحدد مواقع المدن المقدسة في الوعي الشعبي بأسا ، وذالك بموازاة وموازنة مع ما نشر عن المدن الإسلامية المقدسة سواء عند أهل السنة أو عند الشيعة . فقد أثار اهتمامي أن كلام " أهالي أسا " عما يسمى ب " سبع مدن"  ، يوازيه كلام مماثل عن المدن المقدسة ببقية العالم الإسلامي .
ولكي تنجلي الفكرة بوضوح مثل فلق الصبح ، فاني أوثر أن نتطرق بدءا إلى المدن المقدسة بالعالم الإسلامي ، ثم نثني بالحديث عن المدن المقدسة حسب المخيال الشعبي الأسوي (نسبة الى أسا) . ومن ثم ، فان ترتيب الكلام في هذا المحور سيكون كالآتي :
  - المدن المقدسة عند أهل السنة  والشيعة .
  -  المدن المقدسة حسب المخيال الشعبي بأسا أو خط القداسة : من أسا إلى ماسة .
*المدن المقدسة عند أهل السنة  والشيعة .
المدن المقدسة عند أهل السنة  هي : مكة المكرمة  -  المدينة المنورة -  القدس الشريف . والأصل في هذا التصنيف قوله عليه الصلاة والسلام : لاتشد الرحال الا الى ثلاث مساجد : المسجد الحرام والمسجد الآقصى ومسجدي هذا.
المدن المقدسة عند الشيعة :
مكة المكرمة – المدينة المنورة – النجف الاشرف – كربلاء المقدسة – مدينة الكاظميْن – مشهد المقدسة – سامراء – الكوفة – القدس الشريف .
إن السؤال الذي يتجلجل في فضاء كل مدينة "مقدسة " ، ويناجي كل فؤاد فارغ من شدة لوعة وجدِ وحبِّ المعرفة ،  هو لماذا أضيفت القداسة الى هذا المكان دون ذاك؟
قد يكون من الإنصاف القول ، إن لكل مدينة قصة ، وهذا مبعث الاختلاف ، لكننا لانعدم خيوطا توحد وتصهر كل تلك القصص في بوتقة عامل أساس يمثل النسغ الساري في جسد كل قصة "قداسة " . انه التدين  وليس الدين بوصفه منظومة عقدية مؤثرة في السلوك العام والخاص . وأقصد بالتدين كل توجه بشري تحذوه الرغبة الجامحة في التعرف على المعبود وما يتزلف أو يتقرب إليه به من طقوس وشعائر**.
ذاك التدين هو الذي أوجد "فكرة تقديس المكان" ، فالمكان ليس مقدسا عند المسلمين فحسب ، وإنما هو مقدس في ميثولوجيات وأديان وحضارات . ومن أبين الشواهد على ذالك ، تبرك الهنود بمدنهم المقدسة . لكن، أليس من الشطط أن نزعم أن القداسة المضفاة على الأمكنة صناعة إنسان تواق للتدين من أجل ملئ الفراغ الروحي الذي يطيح بالاستقرار والتوازن النفسي ، أليس الوحي الالاهي هو الذي أضفى القداسة على مكة المكرمة بالنسبة للمسلمين ، مصداقا لقوله تعالى ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا )، كما خلع القداسة أيضا على وادي طوى في قصة موسى عليه السلام ( انك بالواد المقدس طوى ) .
 أجل ، وهذا هو وجه التفرقة بين قداسة حقيقية مصدرها الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقداسة صورية أو مفترضة ترتكز على رؤى وخيالات تم إعلاؤها إلى قمة "المعتقد" الذي لا يقبل الجدل والملاحاة عند معتقديه ، ولنتأمل مثلا قصة المدينة المقدسة عند الطريقة المريدية ( مدينة طوبا ) ، حيث يؤكد الصحفي المقتدر أسعد طه في حلقة من برنامج " نقطة ساخنة" ، أن شيخ الطريقة ومؤسسها أحمد بامبا ، قد رأى جبريل - والرؤى والمنامات من صميم دعائم فكر الصوفية – ووعده بأن مدينة عظيمة ستنشأ حول شجرة ، يحج إليها الناس للاستغفار !
إن ما خص به أتباع الشيخ بامبا مدينة " طوبا " من هالة قدسية ليس فعلا نشازا ، إذا علمنا أن لكل مدينة من المدن المقدسة التي مرّ ذكرها قصة ، وأن لكثير من الطرق مدنا " مقدسة " خاصة  بالسنغال ، وكأن القداسة تنبع أو تنبثق من التصوف الشعبي و الطرقي . فهل تنسحب هذه الملاحظة على المدن المقدسة حسب المخيال الشعبي بأسا  إذا ما وضعنا في الاعتبار الكلام المتقدم عن أسا ، والمنسوب إلى شيخ الطريقة الخضرية عبد العزيز الدباغ ؟
سؤال عميق يحفر أخدودا سحيقا في ذاكرة مدينة أسا التاريخية التي تزخر بإرث ثقافي ورمزي متشعب ليس من السهل تفكيكه وحل رموزه . ولذلك ،  فانه من الصعب الجزم بأن فكرة القداسة المتخيلة بأسا ذات أصل صوفي صرف ، إذ أن المدينة شهدت مزيجا مريجا من أشكال وطقوس التدين ، و ذلك بحكم تعدد الثقافات والديانات التي كانت المنطقة مسرحا لها ومهادا آمنا لأتباعها ، ولا يزال بعض آثارها الكامنة في الثقافة والفن يحتاج إلى جهد علمي جاد يسبر أغوارها الدفينة  .
ومادامت الإحاطة الدقيقة بأصول فكرة القداسة بأسا غير ممكنة الآن ، فان ذلك لا يعفينا من فحص بعض متعلقات هذا الموضوع ، بدءا ببيان المدن المقدسة الجاري ذكرها على الألسنة ، وإنتهاء بتبين مناط القداسة بأسا .
     المحور الاول :  خط القداسة من آسا إلى ماسة :
حكى لي الشيخ الراحل حمدي بوكنين خلال زيارتي لبيته قبل وفاته رحمه الله رفقة طاقم برنامج جولة خاصة بتلفزة العيون الجهوية عام 2005 ، أنه سمع الكثير من الأولين يذكرون "سبع مدن" ، ويقولون أن فيها أولياء الله الصالحين . وهذه المدن هي : مكة – المدينة – أسا – امغيميمة – توات – مراكش – ماسة .
لم يجر التصريح بالمركب النحوي ( المدن المقدسة) ، ولكني استندت في اختياره إلى اعتبارين هما :
    -  أن معنى القداسة بما ينطوي عليه من بركة وهيبة ، متضمن في السياق المقبوس من كلام الشيخ المذكور وغيره ممن التقيتهم .
    -  أن بعض الباحثين الفرنسيين قد استقوا المعنى ذاته من الروايات الشفوية لأهالي المنطقة ، وضمنوه كتبهم التي تعد مراجع هامة لاغنى للباحث عنها ، فقد تقدم أن دولاشابيل  ذكر بصريح العبارة أن أسا مدينة مقدسة .
     ولعل أهم ما يثير الاهتمام بخصوص هذه المدن ، هو أن عددها سبعة ، وليس أقل ولا أكثر . ومن المقطوع به عند الباحثين أن العدد سبعة يحمل صفات ملغزة لدى كثير من الحضارات .
     لا يهمنا الحكم الآن على هذا المعتقد بالبطلان أو نقيضه ، بقدر ما يهمنا أن نبحث ونفتش في رصيد كل مدينة من الناحية الروحية ، كي نستطيع تلمس بعض مخايل القداسة المفترضة .     ولعل غرة الكلام في هذا الموضوع  القطعُ بالشرف والقداسة لمكة المكرمة والمدينة المنورة اللتين تضم رحباتُ إحداهما الروضة الشريفة ، بينما يزدان تاريخ الأخرى بشرف احتضان النبي صلى الله عليه وسلم وبناء نواة الدولة الإسلامية ، ويكفيها شرفا أن النبي عليه السلام دعا لها بالبركة حيث قال فيما رواه أنس بن مالك : ( اللهم اجعل بالمدينة ضِعفيْ ما جعلت بمكة من البركة ) .
     وإذا انتقلنا من دائرة القطع بالشرف والبركة لمكة والمدينة ، إلى دائرة الظن والمين ( وأكثر الظنون مُيون) ، لاحت بين نواظرنا أسرار ذكر آسا وماسة ومغيميمة وتوات ومراكش .
     فأما مراكش ، فلا شك أنها بلاد سبعة رجال ، ورصيدها الروحي المرتبط بهؤلاء الأولياء معروف،  وأما امغيميمة ، فليس من العجب أن يحتفظ لها أهالي آسا بوافر التبجيل والاحترام ، إذ أن شرفاء ومرابطي امغيميمة مرتبطون بقبيلة  أيتوسى  برباط وثيق ، ولا يزال هؤلاء الشرفاء والمرابطون يتلقون الهدايا من هذه القبيلة تجسيدا للوجه المادي للعلاقة الروحية التي ربطتهم بهذه القبيلة التي أنجبت أهل سلاح  ، ولم تنجب أهل  كتاب إلا ما نذر . وأما توات ، فغير خافية مكانتها الروحية والعلمية ، خاصة وأنها قد أسهمت في تخرج عدد من كبار القوم فقهاء وصوفية.
     ووفقا لهذا التحليل ، فان صلة هذه المدن بالأولياء الصالحين ، أضفى عليها صفة القداسة . ولبيان صحة هذه الدعوى ، سنعمق ونقعّر البحث قليلا عندما نخص مدينتي آسا وماسة بالذكر ، لكي نجلو خيوط المعادلة العقدية التي أنزلتهما منزلة خاصة في قلوب العامة .
         ماسة : بلاد القصص المثيرة :
في لُجة البحث عن الأساس الميثولوجي الكامن وراء اعتبار ماسة مدينة "مقدسة " لدى العامة ، وجدت في بعض الكتب والمصنفات التي عنيت بتاريخ المنطقة ، بيانين هامين يلقيان أشعة كاشفة من النور على هذا الموضوع . ونظرا لأهمية هذين البيانين  وتشابه مضمونهما ، فاني استأذن القارئ الكريم في عرض هذين النصين الهامين :
    أ – نص لصاحب كتاب " وصف إفريقيا " :
"....ويوجد في خارج ماسة على شاطئ البحر مسجد يقدسه الناس كثيرا ، ويذكر عدد من المؤرخين أن المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا حسبما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم سيخرج من هذا المسجد ، ويقال أيضا أن النبي يونس عليه السلام لما إلتقمه الحوت ، نبذ بالعراء في ساحل ماسة ، وجميع العوارض التي تحمل سقف هذا المسجد من عظام سمك البالين BALAINE ، وكثيرا ما يحدث عندما يهيج البحر أن يقذف على شاطئ ماسة بعدد من هذه السمكات العظيمة ميتة ، وهي مفزعة لضخامتها وبشاعة منظرها ، وتحكي العامة أنه ما مرت سمكة من هذا النوع بقرب المسجد إلا ماتت بسبب البركة التي منحها الله لهذا المسجد ، وكان يصعب علي أن أصدق ذلك لولا أني رأيت بعيني سمكات منها يقذف بها البحر ميتة كل يوم ، وقد تحيرت من ذلك ، غير أني تحادثت فيما بعد مع شيخ يهودي من نفس المكان ، فأخبرني أنه لا عجب في ذلك ، إذ يوجد في البحر على بعد ميلين من البر بعض الصخور العظيمة الحادة ، فإذا هاج البحر ، ذهبت بعض السمكات هنا وهناك ، وما اصطدم منها بتلك الصخور جرح ومات ، ولهذا ينبذه البحر بعد ذلك على الساحل حيث نراه ، فظهر لي أن هذا التأويل خير من تأويل العامة  89.
تتلامح من هذا النص الفكرة الناظمة لاعتقاد العامة ببركة ماسة ، وهي فكرة مبنية على نبوءتين ليس من السهل التأكد والتحقق من صحتهما :
      - أولهما : نبوءة ماضية ، تتعلق بنبذ اليم يونس عليه السلام بهذا المكان ، الأمر الذي أسبغ عليه البركة والقداسة .
      - ثانيهما : نبوءة مستقبلية ، تتصل بخروج أو ظهور المهدي المنتظر في هذه البقعة من الأرض .
وليس المهم هو الجدل بشأن صحة هذين الخبرين أو عدمها ،و إنما المفيد أن ننظر إلى ما استتبعه الاعتقاد بهما من آثار عقدية ، لعل أهمها ما أدهش صاحب النص من ربط موت الحوت ببركة المسجد ، وكأن المكان يحمل خصائص أسطورية خفية ، كتلك التي يتمتع بها مثلث برمودا !!!
     ب- نص مار مول كر بخال :
".... ولأن الساحل كله عبارة عن شاطئ مكشوف ، ويوجد فيه عدد كثير من حوت "البالين " الميت ، يجنح هناك أثناء العاصفة ، فيصطدم بصخور حادة تقع على بعد ميل ونحوه من اليابسة ..... وفي هذا الساحل مسجد هيكله كله مصنوع من أضلاع سمك البالين الكبيرة ، يقدسه الشعب الجاهل ، لاعتقاده أن البالين لفظ النبي يونس في هذا المكان ، وسيخرج منه رجل يدعو لدين محمد ، ولذلك يحجون إليه من جميع النواحي 90.
في إلماحة مقارنة ، نجد أن نقط الاتفاق أو التوافق بين هذا النص وسابقه هامة للغاية ،وتتمثل فبما يأتي :
التأكيد على أن التفسير المنطقي والعقلي لنفوق الحوت هوارتطامه بالصخور الحادة.
بيان هشاشة الاعتقاد الشعبي الذي يرد هلاك الحوت إلى بركة المسجد .
ذكر علة تقديس العامة للمكان ، وهي الاعتقاد بنبذ يونس به ، وموضع ظهور المهدي المنتظر .
وإذا وضعنا في الحسبان رسوخ هذا المعتقد لدى العامة ، أدركنا بسهولة علة اعتبار ماسة لدى أهالي أسا وغيرهم مدينة مباركة مقدسة .
وفي تقديري فان تكرر الإشارة إلى المسجد  الذي تنسب إليه كرامات نفوق الحوت المقترب من حماه ، يفتح باب السؤال عن أي المساجد بماسة ؟ أهو مجرد مسجد للصلاة أم مرقد ولي تحول إلى مزار، خاصة وأن المنطقة حافلة بالمزارات والأضرحة كسيدي الرباط وسيدي وساي ، وما تأكد لي خلال زيارتي للمنطقة ، هو أن ثمة صخرة عظيمة بساحل سيدي الرباط يطلق عليها العامة " صخرة سيدنا يونس " .
 وليس المهم الآن الاستغراق في السؤال عن موقع المسجد وبعده من الصخرة ، وإنما الأهم هو البحث عن معاقد الربط بين ماسة وأسا في المخيال والميثولوجيا الشعبية .
في هذا الصدد ، تتلامح نقطتان أساسيتان تشكلان معقد الربط بين المدينتين :
  - إحداهما : ربط البركة المتخيلة بأثر نبي ( يونس بماسة ومحمد عليه السلام بأسا ) ، مع أن وقائع التاريخ والسيرة تنفي الزيارة المحمدية لأسا ، ويبقى مجال التأويل منفتحا على أفاق يظهر فيها النبي بمعناه اللغوي السامي 91.
   - ثانيهما : يتجلى التجسيد المادي للقداسة في تحويل المكان إلى " حرم " ، ينتج عن المساس به لحوق الأذى والضرر ( موت الحوت الضخم بشاطئ ماسة ، يقابله بأسا لحوق الأذى بكل من يمس بسوء ممتلكات ايت بحمان أو ايت أوحايك ( نخل توزونت ) 92.
        أسا : بلد الأولياء !
       في سياق كلامه عن الرأسمال الرمزي والروحي لأسا , ذكر دولاشابيل أنها مركز اجتماع الأولياء.ولا نستطيع فهم القداسة وأبعادها ما لم نعمد إلى تحليل ارتباط ذكر أسا بالأولياء . اذ تشكل عبارة " 366 صالح (ولي) "93قمة ومركز المركب الرمزي المشكل لمفهوم القداسة المتخيلة بأسا .ذلك المركب الرمزي الذي أثله وأصله الفكر الصوفي ممثلا في الطريقة الخضرية التي نقل عن شيخها الدباغ كلام مغر بالتأمل حول ما سماه " ديوان الصالحين " بأسا ومكة المكرمة .
       وفي انتظار بسطة ضافية كافية لمفهوم الديوان وصفته ومكان انعقاده ، لنا أن نوسع آفاق التساؤل عن دلالة حصر عدد الأولياء في 366، مع ما يثيره تطابق الروايات الشفوية بخصوص عددهم بمدن أخرى مع هذا العدد حسب تصريح دولاشابيل من أسئلة مثيرة من قبيل : هل هذا العدد حقيقة أم مجاز؟ هل هو تعبير يستند إلى إحصاء دقيق أم إشارة إلى الكثرة والتعدد ؟
      صحيح أنه لا أحد يستطيع أن يجادل الكهول والشيوخ فيما يعتقدونه حقا لا مجمجة فيه ، فأسا عندهم تراب الصالحين ومجمعهم ، يرقد بها 366 ولي ،  لكن بالمقابل ، لا أحد يستطيع أن يعد هؤلاء الأولياء واحدا تلو الآخر ، ولا يتجاسر أحد على زعم أنه يعرف أسماء هذا العدد من الأولياء وأضرحتهم ومراقدهم ، والبحوث الجامعية التي أجريت بهذا الخصوص – على نفاسة بعضها – ولا نبخس الناس أشياءهم ، أقرب ما تكون إلى الاحتطاب منه إلى الاستقصاء العلمي والانثروبولوجي المحكم .
       وإذا كان الخبر المنبئ بوجود 366 وليا بأسا متواترا جاريا على كل الألسنة ، فإن صون الخبر وحفظه مقدسا ، لن يمنعني من التأويل ، فالخبر مقدس ، والتأويل حر كما يقال ، لكن قبل أن أخط خطوطا منفتحة للتأويل ، أود أن ألتمس من كل قارئ حصيف ، أن ينظر إلى ما سأكتبه عاذرا غير عاذل ، فمن الجائز أن يشطط الكاتب في التأويل ، لكن عذره أن القضية إرث ثقافي قابل للمساءلة والنقد،  خاصة وأنها ترتبط بتشكل العقلية العربية الإسلامية التي لم تسلم من شوائب الأساطير وبقايا الوثنية ، فضلا عن أصول التربية الو ساطية التي يشكل الوسيط فيها العمدة والأساس ، لدرجة أنك تلحظ في الأمثال الشعبية مثلا روحا سارية للوساطة تسربت إلى العقيدة ، فأضحى الناس يرددون بوعي و بدونه : ( أللي أمسند ما يطيح ) ، أي أن كل من يتوسل بولي ينجو من العثرات والسقطات !!  94. والمقام هنا لا يتسع لتتبع مثل هذا التلبيس في العقيدة والثقافة ، لذلك سنكتفي بهذا الكلام مدخلا لتأويل العدد366 رجاء أن نشق طريقا نحو المصدر الذي تنسلت منه هذه الفكرة التي تناقلها الأجداد بقلب سليم ، وتلقاها الخلف بتشنيع مقيم .
العدد 366 وليا : أولياء أخفياء أم أجلياء ؟
        يزعم البعض أن فكرة 366 وليا ليست سوى مبالغة يراد بها إثبات الكثرة 95، ولا يوجد في أرض الواقع هذا العدد الضخم من الأولياء ما دامت شواهد أضرحتهم مندرسة غير معلومة ، فعدد أضرحة الأولياء المشهورين يكاد يعد على رؤوس الأصابع . ولكن كثيرا من العامة ممن لا يجادلون في صحة هذه الفكرة ، يرددون بأن عدد الأولياء المعلومين لا ينفي وجود أولياء أخفياء ، وأكثر أولياء أسا من هذا القبيل96.
         ويجد هذا القول الخلفية العقدية المؤيدة له في تركة بعض الصوفية كابن عربي الذي نورد من كلماته التي تستغلق على الفهم ، هذا النص :
  « إعلم أن رجال الله أربعة مراتب : رجال لهم الظاهر ، ورجال لهم الباطن ، ورجال لهم الحد ، ورجال لهم المطلع ، فإن الله سبحانه وتعالى لما أغلق دون الخلق باب النبوة والرسالة ، أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز .... فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الشهادة ... وأما رجال الباطن فهم الذين لهم التصرف في عالم الغيب والملكوت ، فسيستنزلون الأرواح العلوية بهممهم فيما يريدونه....» 97.         ليس في نيتنا ولا من صميم مرادنا أن نجرح الشيخ الأكبر أو نحاكمه طبقا لفهوم العلماء الذين يحلو للغزالي أن يسميهم " فقهاء الرسوم " ولكننا نصر على القول بأن أفكاره الدائرة حول علم الأحوال والأسرار ، وتصرف الأولياء في الكون بالهمة والعزيمة ، أدت إلى " تشغيب على المتأهب للمزيد"98كما عبر الشيخ الأكبر في الفتوحات .
           ولعل من التشغيب الذي غشي العقل المنتهل من مشرب فكر ابن عربي وغيره من الصوفية الذين يتحدثون عن وجود " رجال الباطن " من الأولياء ، أن بعض العامة بأسا يعتقدون أن من أحبه  "رجال أسا " أو "رجال البلاد " يأتون به على سبع خيول بيض ، ومن كرهه " رجال أسا" يأخذونه على "سبع خيول سود"99.
لنا أن نحلل الرموز الميثولوجية التي يستبطنها هذا الكلام ، فعلاقات المحبة والعداوة ، تغلف بغلاف ديني أسطوري ليشتد وقعه على السامع ، فإذا كان المقام سعيدا بأسا ، فلأن "رجال البلاد" راضون عن الشخص ، وإذا كان المقام "تعيسا" ، "بئيسا" ، نغصته المشاكل ، فلأن "رجال البلاد" ساخطون !
        هذا التفسير الأسطوري للأحداث ، لا يشذ عن غبره من "الأساليب الأسطورية في مجابهة الواقع أو في الرد على العجز والإحباط " 100، وهي تمثل في مجملها " بنى وسلوكات أسطورية" تخيم على الوعي العربي بشكل عام101.
        وغير خاف أن ورود الخيل – في الحكاية السابقة أو الإقتباس السابق- بلونيها الدالين على جدلية الحياة (الأبيض) والموت (الأسود) . أو ثنائية الخير (الخيل البيض)** والشر (الخيل السود)**** .
ولا شك أن دلالة الخيل والفرس في اللغة ، تحمل الكثير من الأبعاد الإشارات التي من شأنها أن تغني تحليلنا لمفهوم الخيل التي يحمل "رجال أسا " ، "رجال الخفاء" من كان مرغوبا أو مقبولا ، ومن كان على النقيض من ذلك مكروها منبوذا .
        نجد في أساس البلاغة أن الفرس مشتق من فعل فرس ، فيقال فرس فلان إذا حذق بأمر الخيل فروسة وفروسية ، ويقال : ليس بفارس ، ولكنه يتفرس . وفرس : صار ذا رأي وعلم بالأمور .
الفرس طبقا لهذه المعاني يحيل على الفراسة .
        أما الخيل ، فهي مشتقة من خال ، خيل ، ومنه " أتت المعاني التي تدل على صور السراب من ظن وتخيل وارتفاع .... والخيل (بهذا المعنى) ، رمز المعرفة التوهمية التخيلية "102، وبذلك يتقاطع ويتفق معنى الخيل في اللغة المحيل على الظن ، مع معنى الفرس المحيل على الفراسة ، وهي معرفة ظنية تخيلية ، إذ يقال : تفرس الخير بمعنى تخيله وتوسمه .
       نمسك هاته المعاني بعناية فائقة ، ونضيف إليها معنى آخر ، قد يسهم في استجلاء المضامين الخفية لربط تصرف "رجال البلاد" بالخيل .هذا المعنى ننقله بأمانة عن المحلل البارع الدكتور على زيعور حيث يقول : « لا نغفل العلاقة بين الخال والبرق ، فالخيل سريعة كالبرق ، والبرق بركة ...، ومن البرق اشتقت كلمة براق أي حصان .... وقد قدسوا الخيل وقدسوا البرق ، كلاهما رمز إلى العطاء والخصوبة والخير »103.
إذا اردنا تجميع وتقميش هذه الإفادات ذات الأصول اللغوية ، واللغة حاضنة فكر وفلسفة المجتمع ، سهل علينا تفكيك رموز الرواية الشفوية السابقة المتعلقة " بتصرف رجال أسا " .
 فالخيول في متنها ترمز إلى ظنية المعرفة ، فهم أخفياء ، والمعرفة بهم معرفة ظنية غير يقينية ، ولكن العامة يتخيلون الظن يقينا ، ويؤمنون في قرارات أنفسهم بهذه القوة الخفية والقدرة الموهومة التي تحمل الخير لمن أحبت ، والشر لمن كرهت ! ، ولا يملك المرء حيالها سوى "التسليم" : "تسليم يا رجال البلاد"  كذا يتمتم العامة عند تلقي هذه الأخبار المسكونة بروح غرائبية !
علاوة على جدلية الخير والشر التي تسكن عالم هذه الحكاية ، فإن حضور الخيل بها وليس الإبل المشهورة بالمنطقة ، يحيل على قضيتين :
    - أولهما : أن الأصول الأسطورية للحكاية ، قد تعود لعصر بائد ، فأسا عمرتها واستوطنتها أمم تدين بديانات شتى وثنية ويهودية ومسيحية ، ولا شك أن تركتها من الأساطير والحكايات لا تزال مستضمرة في ثقافتنا الشعبية .
    - ثانيهما : إن حضور الخيل بما ترتبط به من سرعة كالبرق ، أنسب وأجدى للمنطق السردي ، فالبناء المحكم للحكاية القائمة على سرعة تنفيذ حكم رجال أسا في حق من أحبوه ومن أبغضوه ، تناسبه الخيل المسرعة ، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الحكاية التي تزعم زيارة الرسول عليه السلام لأسا ، تتوسل أيضا بالخيل وسيلة للسفر ، الأمر الذي يزكي نسبة هاته الحكايات جميعا إلى الخيال .
أليس الخيل في اللغة يحيل على الخيال،  وكل "خيال فلابد من تأويله "104كما قال ابن عربي
       العدد 366 والتقويم السنوي :
ثمة أزعومة تفيد بأن عدد الأولياء الآنف الذكر ، ليس سوى ترميز لعدد أيام السنة الكبيسة ، غير أن هذا الزعم يفتقر إلى حجج تقيم صلبه ، فالتأكيد على أهمية الوقت بإضفاء نوع من القداسة على الخطاب المنتج حوله ، لا يعني بالضرورة تحويل عدد الأيام إلى "أولياء" ترجى بركتهم !!
بهذا نخلص إلى تأكيد غرابة هذا التأويل ، والمعول عليه ، وهو أن ما يعتقده العامة من وجود أولياء أخفياء (رجال الباطن) ، يستند إلى خلفية فكرية صوفية لا تخطئها عين الباحث المطلع ، سنعمد فيما يأتي من صفحات على التوقف عندها مليا عند دراسة بعض نصوص كتاب الإبريز.
        المحور الثاني : ديوان الأولياء / الصالحين : حقيقة ام خرافة ؟
أشار بعض الباحثين المهتمين بشأن التصوف إلى أن كثيرا من القوم أهل الطريق يرصفون كلامهم في المقامات والمنازل وما إليها بذكر ديوان الأولياء105. وبذكره تتوارد على الخاطر أسئلة ملحاحة نختزلها فيما يلي :
ما المقصود بديوان الأولياء ؟
ما تعليل الكلام عنه في هذا المقام ؟
جوابا عن هذه الأسئلة ، سنفرد مساحة لائقة لاستنطاق نصوص من كتاب "الإبريز" ، تقدم صورة ساطعة لامعة عن مفهوم الديوان في الخطاب الصوفي ، وقد آثرنا اتخاذ هذا المصنف نافذة نطل منها على هذا المفهوم لاعتبارين :
أولهما : أن الكتاب يعكس جانبا من التفكير الصوفي الذي ساد بالمغرب ، ولايزال يضرب أطنابه في بعض الطرق والزوايا ، واستنهض همم أصحاب أقلام لمناقشته نقضا أو نقدا أو تأييدا .
ثانيهما : أن الكتاب يعد وثيقة بالغة الأهمية بالنسبة لكل باحث رشيد ينشد الكشف عن الينابيع العميقة لفكرة "رجال أسا " أو "أولياء أسا " من خلال فحص الأصول الصوفية للفكرة ممثلة في المقبوس من كلام الإبريز عن انعقاد ديوان الأولياء بأسا كما سنورده مذيلا بما يتراءى لنا من تعليق نتخذ منه بساطا للمساءلة والأخذ والرد .
صدر صاحب الإبريز الباب الرابع من الفصل الثالث الموسوم ب : ذكر ديوان الصالحين رضي الله عنهم أجمعين بقوله :« سمعت الشيخ ( عبد العزيز الدباغ ) رضي الله عنه يقول : الديوان يكون بغار حراء الذي كان يتحنث فيه النبي النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة .... وسألته رضي الله عنه : هل يكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء؟ فقال رضي الله عنه : نعم ، يكون في موضع آخر مرة في العام لا غير، وهذا الموضع يقال له : زاوية أسا بفتح الهمزة والسين بعدها ألف ، خارج أرض سوس بينها وبين أرض غرب السودان ، فيحضره أولياء السودان ، ومنهم من لا يحضر الديوان إلا في تلك الليلة ، ويأذن الله تعالى ويسوق أهل آفاق تلك الأراضي ، ويجتمعون بالموضع المذكور قبل تلك الليلة بيوم أو بيومين وبعدها كذلك ، ويجتمع في ذلك السوق من التبر مالا يحصى »106.
ترى ، هل صدق الفؤاد ما رأى ، وبأي عين رأى مارأى ، كذا يتساءل كل قارئ حصيف لهذا المتن الموغل في الإشارة المبهمة التي تحلق بنا من عالم الشهادة الى ملكوت الغيب ، ومن سعة الغيب الى ضيق الأرض التي وصفها صاحب الكتاب  بذلك حيث قال في موضع آخر : " فقلت : وهل ثم جمع آخر في غير هذين الموضعين [ يقصد مكة وأسا ] ، فقال : نعم ، يجتمعون ، ولكن لا يجتمع نحو العشرة منهم في موضع قط إلا في الموضعين السابقين ، لأن الأرض لا تطيقهم ، لأن الله تعالى أراد تفرقهم في الأرض وفي الخلق . والله أعلم"107.
        ليس من صميم مرادنا أن نحكم بالتخريف على صاحب الإبريز ، وننهي القضية إنهاء مبرما بكلمة واحدة : أساطير الأولين !...، ولكن نريد أن نربع على أنفسنا ، فلا نصدقه ولا نكن به ، فلو أننا كذبناه لكذبتنا وسخرت منا شواهد التاريخ والواقع التي تؤكد صحة إشاراته إالى الزمان والمكان الذي يحج فيه الناس إلى أسا فرادى وزرافات ، ليس للزيارة والتبرك فحسب ، بل لصلة الأرحام والتسوق والتزود ، إذ" يجتمع في ذلك السوق من التبر ما لا يحصى " كما عبر الكاتب ، وشهد به غيره عربا وأعاجم108، ولوأننا صدقناه فيما قال جملة وتفصيلا لاستخرفنا العقلاء !
إن إرادة التوسط والبعد عن الشطط ، تدفعنا إلى التقاط ما خف وطرف ( وكل طريف خفيف ) من محمولات هذا المقبوس / النص، ولنبدأ من العتبة /العنوان الموسوم "بالديوان" ، نتساءل عن معناه وزمان انعقاده ومكانه ،كي يستبين الخيط الناسج لأسا ومكة في سدى نسيج واحد تشكل القداسة والولاية أسه ولبابه.
حدد الإبريز صفة انعقاد ديوان الأولياء تحديدا ضافيا كافيا ، نقبس منه هذا المقبوس ، « ....قال رضي اله عنه : فيجلس الغوث خارج الغار ، ومكة خلف كتفه الأيمن ، والمدينة ( المنورة ) أمام ركبته اليسرى ، وأربعة أقطار عن يمينه : وهم مالكية على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه ، وثلاثة أقطاب عن يساره ، واحد من كل مذهب من المذاهب الثلاثة ، والوكيل أمامه ، ويسمى : قاضي الديوان ، وهو في هذا الوقت مالكي أيضا من بني خالد القاطنين بناحية البصرة ، واسمه سيدي محمد بن عبد الكريم البصراوي ، ومع الوكيل يتكلم الغوث ، ولذلك سمي وكيلا ، لأنه ينوب في الكلام عن جميع من في الديوان ....ويحضره النساء وعددهن قليل ، وصفوفهن ثلاثة ، وذلك في جماعة الأقطاب الثلاثة التي على اليسارفوق دائرة الصف الأول في فسحة هناك بين الغوث والأقطاب الثلاثة ....ويحضره بعض الكمل من الأموات ، ويكونون في الصفوف مع الأحياء ....وتحضره الملائكة ، وهم من وراء الصفوف ، ويحضره أيضا الجن الكمل ، وهم الروحانيون ، وهم من وراء الجميع ، وهم لا يبلغون صفا كاملا ...وفائدة حضور الملائكة والجن ، أن الأولياء يتصرفون في أمور تطيق ذواتهم الوصول إليها ، وفي أمور لا تطيق ذواتهم الوصول إليها ، فيستعينون بملائكة والجن في الأمور التي لا تطيق ذواتهم الوصول إليها »109.
بهذا البيان التفصيلي يرسم صاحب الإبريز "خارطة" ديوان الأولياء ، موضحا مواقع كل أعضاء الديوان من رئيس ووكيل وأعوان ، ويجعل القارئ المتتبع يصغي الى توصيفه الذي يقترب كثيرا من وصف "مجلس للقضاء" ، ويتصرف فيه كل طرف بحسب ما وكل إليه من مهمة !ويالها من مهمة مستبهمة مستغلقة تتعلق "بالتصرف" ! وقد لا نجد نظرة أدق الى كلامه وكلام غيره تقوم مشاهداتهم ومواجدهم من تلك التي ضمنها العلامة ابن خلدون مقدمته حيث قال:«وأما الكلام في الكشف وإعطاء حقائق العلويات وترتيب صدور الكائنات ....فأكثر كلامهم فيه نوع من المتشابه ، لما أنه وجداني عندهم . وفاقد الوجدان عندهم . بمعزل عن أذواقهم فيه ....، وأما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ، ويؤاخذهم بها أهل الشرع ، فاعلم أن الانصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس ، والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه ، وصاحب الغيبة غير مخاطب ، والمجبور معذور ...وأما من تكلم بمثلها ، وهو حاضر في حسه ، ولم يملكه الحال ، فمؤاخذ أيضا ، ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوفة بقتل الحلاج ، لأنه تكلم في حضور ، وهو مالك لحاله ، والله أعلم110.
لا نريد طرح السؤال أكان كلام الدباغ المنقول عنه مكاشفة أم وارداتغشاه في حال، أم رأيا سمعه أو تبناه ، فالجواب عن السؤال محال على كل حال مادام الراوي وصاحبه في ذمة الله ، غفر الله لنا ولهم ، ولكننا  نود ان نسبر بعضا من مطويات ومضمرات هذا النص،ونضعها على سرير الفحص والدرس آملين ان تتداعى تداعيا حراً يمكننا من إعادة كل شاردة وواردة من الكلام إلى أصلها ومنبتها الذي نبتت فيه وترعرعت،فثمة كلمات كثيرة تنتمي إلى معاجم وقواميس ذات مشارب فقهية وفكرية جديرة بإماطة اللثام عنها،كي يفسر وجه المرجعية التي يصدر عنها صاحب الإبريز،ولهذا الغرض،سنعمد إلى تفكيك وتحليل بعض المؤشرات الدالة داخل النص:
المؤشر الأول:يعكس النص بوضوح صارخ المرجعية الصوفية التي يصدر عنها الكاتب،ولا أدل على ذلك من احترامه ومراعاته الدقيقة لتسلسل مراتب الأولياء ومقاماتهم عند الصوفية من غوث وقطب وأبدال.وللوقوف على نظرة القوم لتلك المراتب،نقتطف نصا من الفتوحات المكية قد لا تنقاد طلاسمه للفهم بسلاسة: " اعلم أن الأوتاد الذين يحفظ الله بهم العالم أربعة لا خامس لهم، وهم أخص من الإبدال،والإمامان أخص منهم،والقطب هو أخص الجماعة، والأبدال في هذا الطريق لفظ مشترك،يطلقون الأبدال على من تبدلت أوصافه المذمومة بالمحمودة،ويطلقونه على عدد خاص،وهم أربعون عند بعضهم لصفة يجتمعون فيها،ومنهم من قال: عددهم سبعة...ومنهم من قال : إن الاوتاد الأربعة من الأبدال،فالأبدال سبعة،ومن هذه السبعة أربعة هم: الأوتاد، واثنان هما الإمامان، وواحد هو القطب، وهذه الجملة هم الابدال.111.
  وبيانا لجغرافية العالم الروحي112 عند ابن عربي،يوضح في الجزء الثاني من الفتوحات المكية أن إدريس (ع) هو القطب، والإمامان هما:عيسى وإلياس عليهما السلام،والوتد الرابع هو الخضر عليه السلام،وهؤلاء يسميهم ابن عربي" أنبياء الأولياء"، انتهى مقام بنوتهم،ولا يزال مقام ولايتهم مستمراً إلى حين نزول عيسى عليه السلام،إذ هو خاتم الأولياء113.
  ونظرا لصعوبة قبول وتصور هذه الأفكار الموغلة في الغموض والإبهام، يدعو ابن عربي إلى عدم النظر إليها نظرا عقليا خالصا،فمن نظر إليها من " طريق النظر الفكري،فقد إستسمن ذا ورم،ونفخ في غير ضرم!.
  وملاك الأمر،أن كلام ابن عربي،وهو الشيخ الأكبر،لا يقل غموضا عما وجدناه عند صاحب الابريز،والمعول عليه،ان إشاراتهم إلى ديوان الأولياء ومقاماتهم  تغلب عليها صفة الستر كما قالت الدكتورة سعاد الحكيم،فالولي هنا مستور،لا يظهر للناس114  .وما يهمنا نحن هو الخلوص إلى ارتكاز المرويات الشعبية عن رجال أسا، وأولياء أسا،إلى هذه القاعدة الصوفية التي يمثلها الأبريز. فمن هذه الينابيع الصوفية انبجست أفكار التصوف الشعبي وتشربتها العامة.
المؤشر الثاني:يشي الأبريز بالمذهب الفقهي لصاحبه،إذ في إقراره بصيغة محاصصة بين المذاهب في تقسيم المهام داخل الديوان،يسيطر في ظلها المالكية على الحظ الأوفر والأجزل،إشارة مضمرة إلى أفضلية إتباع المذهب المالكي فقها من منظور صاحب الكتاب،ولا غرابة في ذلك،مادام الدباغ من أهل فاس،والمذهب المالكي هو المذهب الرسمي في المغرب عامة.
المؤشر الثالث:يصف الراوي وصفا دقيقا كيفية انعقاد الديوان بمكة المكرمة،وكأنه رآه رأي العين،وهذا ينسجم مع نقله عن شيخه الدباغ قوله:"فأراهم بعيني رأسي متميزين هذا بظله،وهذا لا ظل له115 !،لكنه يسكت عن وصف مكان انعقاد الديوان بأسا مكتفيا بحد المنطقة تحديداً جغرافيا كما ألمحنا.وفي تقديري،فإن اكتفاء صاحب النص بموقف الطارح لا الشارح لكيفية انعقاد الديوان بأسا،يبقي قلق وشغف السؤال قائما حول مكان الانعقاد،فهل من سبيل إلى إدراك هذا المكان ولو على سبيل التخمين والخرص لا على وجه اليقين والفحص؟
  إذا أخدنا بعين الاعتبار العناصر الآتية،يمكن ان نتوصل إلى المكان المقصود على سبيل الظن:
- اجتماع الصالحين أو الأولياء بأسا متواتر لدى العامة في الأدعية " يا مجمع الصالحين" ، وصاحب الأبريز وكذا دولاشابيل نقلا عن الرواية الشفوية يشير كذلك الى " مركز اجتماع الأولياء".
- انعقاد الديوان بمكة يتم بغار حراء الذي كان يتحنث فيه النبي عليه السلام إلى حين نزول الوحي عليه.
- يصعد الناس جبلا به غار ليلة القدر،يدعى بأسا أورير لنبياء أو جبل الأنبياء116 أو تاوريرت لنبياء،وبذلك يكون الاحتمال على الوجه الأتي:
* ديوان الأولياء:
- مكة ( غار حراء).
- أسا ( غار تاوريرت الأنبياء)/مجمع الصالحين.
  لا نجزم بصحة هذا الاحتمال،وإن كنا نعلم من خلال معرفتنا بالمنطقة،أن ثمة طقوسا كثيرة بأسا تحاكي طقوس الحج بمكة المكرمة!وقد كتبت الباحثة دوبيكودو ما نصه: " أورير لنبياء،جبل الأنبياء،يعتبر الناس تسلقه جزءا من مناسك الحج إلى أسا"117 .ولناعود لهذا الموضوع لاحقا.
المؤشر الرابع: من لطائف الإشارات المبثوثة في النص الإيماء إلى محورية ومركزية الزاوية بأسا،إذ تعد معلماً لا تنفك عنه المنطقة،وقد لا تعرف إلا به،وإذا كان الشيء بالشيء يذكر،فإن أسا تذكر بزاويتها وتشتهر بها،إذ هي قلب الحياة الروحية والمعمارية والاقتصادية للمنطقة.
المؤشر الخامس: يعكس النص الخلفية العقدية لصاحبه،وهي خلفية مشبعة إلى حد النخاع بفكرة الوساطة،إذ أنه يزكي فكرة قيام الأولياء بالتصرف وقضاء حوائج الناس فيما تطيقه ذواتهم،أما ما لا تطيقه ذواتهم،فيستعينون بالجن والملائكة لقضائها!

المصدر - زاوية أسا جدل التاريخ والاسطورة - تاليف د. بوزيد الغلى 2011.

كاتب المقال Unknown

حول كاتب المقال : قريبا
«
Next
رسالة أحدث
»
Previous
رسالة أقدم
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات:

دع تعليقك